الثلاثاء، 23 فبراير، 2010

الحقيقة والمجاز - حبل الله

بسم الله والحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد , أولاً أشكرك أخي الكريم على طرح هـذا الموضوع الهام , والذي يظهر لي في هـذا أن كلا النوعين من الخلاف موجود , فهناك من العلماء من ينكر وجود المجاز تماماً في اللغة , منهم شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وغيرهم ومن علماء اللغة أبو إسحاق الإسفرائينى و أبو علي الفارسي, ومنهم من ينكر وجوده في القرآن الكريم منهم الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله , وبعضهم فصل في ذلك فقالوا بوجود المجاز في ما عدا آيات الصفات والأمور الغيبية.

والذي تطمئن إليه النفس هو نفي المجاز مطلقاً في اللغة , وقد اطلعت على بعض كتب البلاغة وبعض كتب الأصول فوجدت أن جميع الأمثلة التي استشهدوا بها على أنها مجاز , لها مسالك بلاغية ولغوية وتفسيرية واضحة , وفيما يلي عرض لتلك الأمثلة والإجابة عليها :-

قال الله تعالى (هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنْ السَّمَاءِ رِزْقاً) [غافر-13] , قال بعضهم: أي سبب الرزق . وهـذا صرف للنص عن ظاهره فقد جاء في آية أخرى , قال تعالى: (قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ) [يونس-31]. قال القرطبي رحمه الله في تفسيره : "من السماء" أي بالمطر. "والأرض" بالنبات ) انتهى , فالكل رزق من الله عز وجل .

وقال تعالى : (يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ) [البقرة -19], قالوا أطلق الكل وأراد الجزء والإجابة على ذلك , قال السيوطي في الإتقان : "في" تأتي بمعنى "على" مثل قوله تعالى (وَلأصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ) [طه-71] , أي على جذوع النخل انتهى. و كذلك يمكن أن نقول (فِي آذَانِهِمْ) أي على آذانهم.

وقوله تعالى : ( أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ ) [النساء-43]. قالوا هـذا مجاز لأن "الغائط" في الاصل تطلق على المكان المنخفض والإنسان إذا جاء من مكان منخفض لا ينتقض وضوءه . والإجابة على ذلك أن لفظ "غائط" اشتهر استعماله في غير موضعه الأصلي , وأصبح حقيقة في "قضاء الحاجة" .

وقوله تعالى : ( وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ ) [الإسراء-24] , قالوا هـذا مجاز لأن الذل معنى ليس له جناح , والإجابة على ذلك أن الجناح من الالفاظ المشتركة , فجناح الطائر يده قال تعالى : (وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ) [الأنعام-38] و بالنسبة للإنسان الجانب , وجانب الإنسان منه حسي كما في قوله تعالى : "واضمم يدك إلى جناحك" [طه: 22] أي إلى جنبك. ومنه معنوي –وهـو المراد في هذه الآية- بمعنى الخُلق كما في حديث أسلم مولى عمر الذي رواه البخاري في صحيحه أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه استعمل مولى له يدعى هنيا على الحمى ، فقال :( يا هني اضمم جناحك عن المسلمين). ومنه أيضاً قول الشاعر :

وحسبك فتية لزعيم قـوم يمد على أخي سقم جناحا
أي تواضعا ولينا. ويقال: فلان خافض الجناح, أي وقور ساكن
ومعنى الآية ألن جانبك لمن آمن بك وتواضع لهم. وأصله أن الطائر إذا ضم فرخه إلى نفسه بسط جناحه ثم قبضه على الفرخ, فجعل ذلك وصفا لتقريب الإنسان أتباعه.(انظر تفسير القرطبي)

بنى له الامير قصراً . قالوا هـذا مجاز لأن الأمير لايبني بنفسه . والإجابة على ذلك , هذا المثال فيه إيجاز حذف والتقدير بنى له الامير قصراً بواسطة عماله . قد يكون الحذف في هذا المثال لسببين , لأنه مفهوم أن الأمير لا يبني بنفسه والسبب الآخر هو حتى لا يلتبس الضمير في "عماله" .

رأيت أسداً يرمي . قيل هـذا مجاز وإجابة على ذلك , هـذا النوع من الأساليب هو "تشبيه ضمني" لم يصرح فيه بالمشبه وهـو "الرجل" ووجه الشبه وهو "الشجاعة" وأداة التشبيه.

قال تعالى : (وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ) [يوسف-31], قيل بأن هذا مجاز لأن القطع فيه فصل , وإجابة على ذلك , قال القرطبي رحمه الله , عن مجاهد قال: حزا بالسكين, قال النحاس: يريد مجاهد أنه ليس قطعا تبين منه اليد, إنما هو خدش وحز, وذلك معروف في اللغة أن يقال إذا خدش الإنسان يد صاحبه قطع يده.

قال تعالى :(إن الأبرار لفي نعيم ) [الإنفطار-13] , قيل إن استعمال النعيم في الآية مجاز؛ لأن النعيم لايحلَّفيه الإنسان لأنه معنى من المعاني ، وإنما أطلق فيه الحال وأريد المحل، , وإجابة على ذلك ,
روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة, قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم أو ليلة, فإذا هو بأبي بكر وعمر؛ فقال: ( ما أخرجكما من بيوتكما هذه الساعة)? قالا: الجوع يا رسول الله. قال:(وأنا والذي نفسي بيده لأخرجني الذي أخرجكما قوما) فقاما معه؛ فأتى رجلا من الأنصار, فإذا هو ليس في بيته, فلما رأته المرأة قالت: مرحبا وأهلا. فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أين فلان)? قالت: يستعذب لنا من الماء؛ إذ جاء الأنصاري, فنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبيه, وثم قال: الحمد لله ما أحد اليوم أكرم أضيافيا مني. قال: فانطلق, فجاءهم بعذق فيه بسر وتمر ورطب, فقال: كلوا من هذه. وأخذ المدية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إياك والحلوب) فذبح لهم, فأكلوا من الشاة, ومن ذلك العذق, وشربوا؛ فلما أن شبعوا ورووا, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر وعمر: (والذي نفسي بيده لتسألن عن نعيم هذا اليوم, يوم القيامة, أخرجكم من بيوتكم الجوع, ثم لم ترجعوا حتى أصابكم هذا النعيم). خرجه الترمذي, وقال [فيه]: (هذا والذي نفسي بيده من النعيم الذي تسألون عنه يوم القيامة: ظل بارد, ورطب طيب, وماء بارد) هـذا الحديث أورده القرطبي رحمه الله في تفسير قوله تعالى : (ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنْ النَّعِيمِ) [التكاثر-8]. الشاهد في الحديث أنه عليه الصلاة والسلام عبر عن الظل البارد, والرطب الطيب, والماء البارد بالنعيم . فالإنسان يحل حقيقة في الظل .

(وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً) [آل عمران-103], قيل بأن لفظ حبل استعارة , وإجابة على ذلك ,
قال القرطبي رحمه الله في تفسيره : الحبل لفظ مشترك، وأصله في اللغة السبب الذي يوصل به إلى البغية والحاجة. والحبل: حبل العاتق. والحبل: مستطيل من الرمل؛ ومنه الحديث: والله ما تركت من حبل إلا وقفت عليه، فهل لي من حج؛ والحبل الرسن. والحبل العهد؛ والحبالة: حبالة الصائد. وكلها ليس مرادا في الآية إلا الذي بمعنى العهد؛ عن ابن عباس. وقال ابن مسعود: حبل الله القرآن. ورواه علي وأبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعن مجاهد وقتادة مثل ذلك. وأبو معاوية عن الهجري عن أبي الأحوص عن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن هذا القرآن هو حبل الله).

وقوله عليه الصلاة والسلام : (اللهم نقني من خطاياي) , قالوا هـذا استخدام مجازي لأن الخطايا معنى , وإجابة على ذلك , أن هـذا من الأمور الغيبية ,و تُؤخذ على حقيقتها بأنها تنقية حقيقية , فنحن لا نعلم كيف تتم التنقية من الخطايا.

يقول ابن رجب :(غالب من تكلم بالحقيقة والمجاز هم المعتزلة ونحوهم , وتطرقوا بذلك إلى تحريف الكلم عن مواضعه , فيُمتنع من التسمية بالمجاز , ويجعل جميع الألفاظ حقائق , واللفظ إن دل بنفسه فهو حقيقة لذلك المعنى, وإن دل بقرينة فدلالته بالقرينة حقيقة للمعنى الآخر, فهو حقيقي في الحالين) , وجاء في فتح الباري عن سهل بن عبدالله التستري قال : ما أحدث أحد في العلم شيئاً الا سئل عنه يوم القيامة , فإن وافق السنة سلم وإلا فلا . والقول بالمجاز لم يكن في عهد الصحابة ولا التابعين , والسير في طريق المجاز قد تزل به القدم والعياذ بالله , وأنا أكاد أجزم أن كل ما يقال بأنه مجاز لا يخرج عن هـذه الأنواع المذكورة , وأدعوا جميع الإخوة والأخوات إذا وجدوا لفظاً أو تعبيراً يقال بأنه مجاز بأن يطرحوه للنقاش في المنتدى وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق